فصل: تفسير الآية رقم (38):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (38):

{هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ}. قَدْ قَدَّمَنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ قَرِيبًا فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} الْآيَةَ [47/ 32].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [4/ 133].

.سُورَةُ الْفَتْحِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

.تفسير الآية رقم (1):

{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}.
التَّحْقِيقُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْفَتْحِ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ؛ لِأَنَّهُ فَتْحٌ عَظِيمٌ.
وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ الصُّلْحَ الْمَذْكُورَ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي تَهَيَّأَ بِهِ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَجْتَمِعُوا بِالْكُفَّارِ فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَبَيَّنُوا لَهُمْ مَحَاسِنَهُ، فَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ عَامَ سِتٍّ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ.
وَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَ مَكَّةَ حِينَ نَقَضَ الْكُفَّارُ الْعَهْدَ، كَانَ خُرُوجُهُ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ عَامَ ثَمَانٍ.
وَكَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَذَلِكَ يُوَضِّحُ أَنَّ الصُّلْحَ الْمَذْكُورَ مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْفَتْحِ الْمَذْكُورِ فَتْحَ مَكَّةَ، وَإِنْ قَالَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا قُلْنَا، وَلِأَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سُورَةَ الْفَتْحِ هَذِهِ نَزَلَتْ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي طَرِيقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَلَفْظُ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ: إِنَّا فَتَحْنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْفَتْحَ قَدْ مَضَى، فَدَعْوَى أَنَّهُ فَتَحَ مَكَّةَ وَلَمْ يَقَعْ إِلَّا بَعْدَ ذَلِكَ بِقُرْبِ سَنَتَيْنِ- خِلَافُ الظَّاهِرِ.
وَالْآيَةُ الَّتِي فِي فَتْحِ مَكَّةَ دَلَّتْ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ لَا عَلَى الْمُضِيِّ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} الْآيَةَ [110/ 1].
وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي كِتَابِنَا دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ مَعْنَى اللَّامِ فِي قَوْلِهِ:
{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ} الْآيَةَ [48/ 2].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}.
مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [8/ 2]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [9/ 124]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [74/ 31]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ مِرَارًا.
وَالْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، كَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْوَحْيُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.
ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّ لَهُ جُنُودَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيَّنَ فِي الْمُدَّثِّرِ أَنَّ جُنُودَهُ هَذِهِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [74/ 31].

.تفسير الآيات (5-6):

{لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ}.
أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَصَحُّهَا فِي الْآيَةِ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: لِيُدْخِلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [48/ 4].
وَإِيضَاحُ الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ، أَيِ السُّكُونَ وَالطُّمَأْنِينَةَ إِلَى الْحَقِّ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، لِيَزْدَادُوا بِذَلِكَ إِيمَانًا لِأَجْلِ أَنْ يُدْخِلَهُمْ بِالطُّمَأْنِينَةِ إِلَى الْحَقِّ، وَازْدِيَادِ الْإِيمَانِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ فِي قَوْلِهِ: فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ قُلُوبَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلِذَا كَانَ جَزَاؤُهُمْ مُخَالِفًا لِجَزَاءِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا صَرَّحَ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
وَإِيضَاحُ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى وَفَّقَ الْمُؤْمِنِينَ بِإِنْزَالِ السَّكِينَةِ وَازْدِيَادِ الْإِيمَانِ، وَأَشْقَى غَيْرَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فَلَمْ يُوَفِّقْهُمْ بِذَلِكَ لِيُجَازِيَ كُلًّا بِمُقْتَضَى عَمَلِهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ فِي الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْأَحْزَابِ: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [33/ 73].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.
بَيَّنَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ يُجَازِي الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ بِثَلَاثِ عُقُوبَاتٍ وَهِيَ غَضَبُهُ، وَلَعْنَتُهُ، وَنَارُ جَهَنَّمَ.
وَقَدْ بَيَّنَ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ بَعْضَ نَتَائِجِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، كَقَوْلِهِ فِي الْغَضَبِ: {وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [20/ 81]، وَقَوْلِهِ فِي اللَّعْنَةِ: {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [4/ 52]، وَقَوْلِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [3/ 192].

.تفسير الآية رقم (8):

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}.
بَيَّنَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ أَرْسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ يَبْعَثُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَاهِدًا عَلَى أُمَّتِهِ، وَأَنَّهُ مُبَشِّرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمُنْذِرٌ لِلْكَافِرِينَ. قَالَ تَعَالَى فِي شَهَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أُمَّتِهِ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [4/ 41]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ} [16/ 89].
فَآيَةُ النِّسَاءِ وَآيَةُ النَّحْلِ الْمَذْكُورَتَانِ الدَّالَّتَانِ عَلَى شَهَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أُمَّتِهِ تُبَيِّنَانِ آيَةَ الْفَتْحِ هَذِهِ.
وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ مُبَشِّرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَذِيرٌ لِلْكَافِرِينَ أَوْضَحَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [19/ 97].
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَمَا ذَكَرَهُ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ- ذَكَرَهُ وَزِيَادَةً فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [33/ 45- 46].
وَقَوْلُهُ هُنَا: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، وَقَوْلُهُ: وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا كِلَاهُمَا حَالٌ مَعْطُوفٌ عَلَى حَالٍ.

.تفسير الآية رقم (11):

{سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا}.
أَمَرَ اللَّهُ- جَلَّ وَعَلَا- نَبِيَّهُ أَنْ يَقُولَ لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَاعْتَذَرُوا بِأَعْذَارٍ كَاذِبَةٍ: {فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا} [48/ 11] أَيْ لَا أَحَدَ يَمْلِكُ دَفْعَ الضُّرِّ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ إِنْزَالَهُ بِكُمْ وَلَا مَنْعَ النَّفْعِ الَّذِي أَرَادَ نَفْعَكُمْ بِهِ فَلَا نَافِعَ إِلَّا هُوَ وَلَا ضَارَّ إِلَّا هُوَ تَعَالَى، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى دَفْعِ ضُرٍّ أَرَادَهُ وَلَا مَنْعِ نَفْعٍ أَرَادَهُ.
وَهَذَا الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ- جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَحْزَابِ: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [33/ 17].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ يُونُسَ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} الْآيَةَ [10/ 107].
وَقَوْلِهِ فِي الْأَنْعَامِ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [6/ 17].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمَائِدَةِ: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [5/ 17].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي فَاطِرٍ: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ} الْآيَةَ [35/ 2].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُلْكِ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [67/ 28].
وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى هَذَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ فَاطِرٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ} الْآيَةَ [35/ 2]. وَفِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [46/ 8].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.
ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَالسَّكِينَةُ تَشْمَلُ الطُّمَأْنِينَةَ وَالسُّكُونَ إِلَى الْحَقِّ وَالثَّبَاتَ وَالشَّجَاعَةَ عِنْدَ الْبَأْسِ.
وَقَدْ ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- إِنْزَالَهُ السَّكِينَةَ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي بَرَاءَةَ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [9/ 26]، وَذَكَرَ إِنْزَالَ سَكِينَتِهِ عَلَى رَسُولِهِ فِي قَوْلِهِ فِي بَرَاءَةَ: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} الْآيَةَ [9/ 40].
وَذَكَرَ إِنْزَالَهُ سَكِينَتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} الْآيَةَ [48/ 18].
وَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا لَمْ يُبَيِّنْ فِيهَا مَوْضِعَ إِنْزَالِ السَّكِينَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ مَحَلَّ إِنْزَالِ السَّكِينَةِ هُوَ الْقُلُوبُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} الْآيَةَ [48/ 4].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}.
مَا ذَكَرَهُ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ، وَسُورَةِ الصَّفِّ، وَزَادَ فِيهِمَا أَنَّهُ فَاعِلٌ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [9/ 33]، [61- 9].

.تفسير الآية رقم (29):

{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [5/ 54].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ}.
قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ ذَكْوَانَ وَابْنُ عَامِرٍ: {شَطَأَهُ} بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَالْبَاقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ بِسُكُونِ الطَّاءِ.
وَقَرَأَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ ذَكْوَانَ: فَآزَرَهُ بِأَلْفٍ بَعْدِ الْهَمْزَةِ.
وَقَرَأَهُ ابْنُ ذَكْوَانَ عَنْ عَامِرٍ: {فَأَزَرَهُ} بِلَا أَلِفٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ مُجَرَّدًا.
وَقَرَأَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ قُنْبُلٍ عَلَى سُوقِهِ بِوَاوٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ.
وَقَرَأَهُ قَنْبَلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الْوَاوِ، وَعَنْهُ ضَمُّ الْهَمْزَةِ بَعْدَ السِّينِ، بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا أَنَّهُ ضَرَبَ الْمَثَلَ فِي الْإِنْجِيلِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِأَنَّهُمْ كَالزَّرْعِ يَظْهَرُ فِي أَوَّلِ نَبَاتِهِ رَقِيقًا ضَعِيفًا مُتَفَرِّقًا، ثُمَّ يَنْبُتُ بَعْضُهُ حَوْلَ بَعْضٍ، وَيَغْلَظُ وَيَتَكَامَلُ حَتَّى يَقْوَى وَيَشْتَدَّ وَتُعْجِبَ جَوْدَتُهُ أَصْحَابَ الزِّرَاعَةِ، الْعَارِفِينَ بِهَا، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ كَانُوا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فِي قِلَّةٍ وَضَعْفٍ ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا يُكْثِرُونَ وَيَزْدَادُونَ قُوَّةً حَتَّى بَلَغُوا مَا بَلَغُوا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} أَيْ فِرَاخَهُ فَنَبَتَ فِي جَوَانِبِهِ. وَقَوْلُهُ: فَآزَرَهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمُؤَازَرَةِ، بِمَعْنَى الْمُعَاوَنَةِ وَالتَّقْوِيَةِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فَآزَرَهُ أَيْ سَاوَاهُ فِي الطُّولِ، وَبِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ فُسِّرَ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
بِمَحْنِيَّةٍ قَدْ آزَرَ الصَّالُ نَبْتَهَا ** مُجْرٍ جُيُوشَ غَانِمِينَ وَخَيَّبَ

وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ فَآزَرَهُ بِلَا أَلْفٍ، فَالْمَعْنَى شَدَّ أَزْرَهُ أَيْ قَوَّاهُ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ مُوسَى: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} الْآيَةَ [20/ 29- 31]، وَقَوْلُهُ: فَاسْتَغْلَظَ أَيْ صَارَ ذَلِكَ الزَّرْعُ غَلِيظًا بَعْدَ أَنْ كَانَ رَقِيقًا، وَقَوْلُهُ: فَاسْتَوَى أَيِ اسْتَتَمَّ وَتَكَامَلَ عَلَى سُوقِهِ أَيْ عَلَى قَصَبِهِ.
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنَ الْمَثَلِ الْمَذْكُورِ فِي الْإِنْجِيلِ الْمَضْرُوبِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي مَبْدَأِ أَمْرِهِمْ فِي قِلَّةٍ وَضَعْفٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكْثُرُونَ وَيَقْوُونَ- جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ} [8/ 26].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [3/ 123]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} الْآيَةَ [5/ 3]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

.سُورَةُ الْحُجُرَاتِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

.تفسير الآية رقم (1):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لَا تُقَدِّمُوا فِيهِ لِعُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ مِنْهَا وَهُوَ أَصَحُّهَا وَأَظْهَرُهَا أَنَّهُ مُضَارِعُ قَدَّمَ اللَّازِمِ بِمَعْنَى تَقَدَّمَ.
وَمِنْهُ مُقَدِّمَةُ الْجَيْشِ، وَمُقَدِّمَةُ الْكِتَابِ بِكَسْرِ الدَّالِّ فِيهِمَا، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلِ قَدَّمَ بِمَعْنَى تَقَدَّمَ.
وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ مِنَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ تَمَامُ الْعَشَرَةِ: {لَا تَقَدَّمُوا} بِفَتْحِ التَّاءِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ، وَأَصْلُهُ: لَا تَتَقَدَّمُوا فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُضَارِعُ قَدَّمَ الْمُتَعَدِّي، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِإِرَادَةِ التَّعْمِيمِ، أَيْ: لَا تُقَدِّمُوا قَوْلًا وَلَا فِعْلًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَلْ أَمْسِكُوا عَنْ ذَلِكَ حَتَّى تَصْدُرُوا فِيهِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُضَارِعُ قَدَّمَ الْمُتَعَدِّي، وَلَكِنَّهَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى اللَّازِمِ، وَقُطِعَ النَّظَرُ عَنْ وُقُوعِهَا عَلَى مَفْعُولِهَا، لِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ أَصْلُ الْفِعْلِ دُونَ وُقُوعِهِ عَلَى مَفْعُولٍ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [40/ 68]، أَيْ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، وَلَا يُرَادُ فِي ذَلِكَ وُقُوعُهُمَا عَلَى مَفْعُولٍ.
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [39/ 9]، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُتَّصِفِينَ بِالْعِلْمِ لَا يَسْتَوُونَ مَعَ غَيْرِ الْمُتَّصِفِينَ بِهِ.
وَلَا يُرَادُ هُنَا وُقُوعُ الْعِلْمِ عَلَى مَفْعُولٍ، وَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: لَا تُقَدِّمُوا لَا تَكُونُوا مِنَ الْمُتَّصِفِينَ بِالتَّقْدِيمِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي كَلَامِنَا الطَّوِيلِ عَلَى آيَةِ: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [4/ 82] أَنَّ لَفْظَةَ: {بَيْنَ يَدَيْهِ} [2/ 97]، مَعْنَاهَا أَمَامَهُ، وَذَكَرْنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْمَعْنَى لَا تَتَقَدَّمُوا أَمَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: فَتَقُولُوا فِي شَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا إِذْنٍ مِنَ اللَّهِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا تَشْرِيعُ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَتَحْرِيمُ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ، وَتَحْلِيلُ مَا لَمْ يُحَلِّلْهُ، لِأَنَّهُ لَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَلَا حَلَالَ إِلَّا مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، وَلَا دِينَ إِلَّا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ بِكَثْرَةٍ فِي سُورَةِ الشُّورَى فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [42/ 10]، وَفِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [18/ 26]، وَفِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [17/ 9]، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيْ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فَهُوَ سَمِيعٌ لِكُلِّ مَا تَقُولُونَ مِنَ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَغَيْرِهِ، عَلِيمٌ بِكُلِّ مَا تَفْعَلُونَ مِنَ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَغَيْرِهِ.

.تفسير الآية رقم (2):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}.
سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ تَمِيمٍ، أَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمُ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عَدَسٍ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ عُمَرُ أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمُ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسِ بْنِ عِقَالٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي، فَقَالَ عُمْرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَّمَ اللَّهُ فِيهَا الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُعَظِّمُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْتَرِمُوهُ وَيُوَقِّرُوهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ فَوْقَ صَوْتِهِ، وَعَنْ أَنْ يَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أَيْ يُنَادُونَهُ بِاسْمِهِ: يَا مُحَمَّدُ، يَا أَحْمَدُ، كَمَا يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَإِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يُخَاطِبُوهُ خِطَابًا يَلِيقُ بِمَقَامِهِ لَيْسَ كَخِطَابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، كَأَنْ يَقُولُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} أَيْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ لِئَلَّا تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ، أَوْ يَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ كَرَاهَةَ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ، وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَيْ: لَا تَعْلَمُونَ بِذَلِكَ.
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ لُزُومِ تَوْقِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْظِيمِهِ وَاحْتِرَامِهِ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [48/ 9]، عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ لِلنَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [24/ 63]، كَمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} [7/ 157]، وَقَوْلُهُ هُنَا: وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ أَيْ لَا تُنَادُوهُ بِاسْمِهِ: كَيَا مُحَمَّدُ.
وَقَدْ دَلَّتْ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُخَاطِبُهُ فِي كِتَابِهِ بِاسْمِهِ، وَإِنَّمَا يُخَاطِبُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ وَالتَّوْقِيرِ، كَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} [9/ 73]، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} [5/ 41]، {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [73/ 1]، {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [74/ 1]، مَعَ أَنَّهُ يُنَادِي غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَسْمَائِهِمْ كَقَوْلِهِ: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ} [2/ 35]، وَقَوْلِهِ: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ} [37/ 104]، وَقَوْلِهِ: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [11/ 46]، {قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا} [11/ 48]، وَقَوْلِهِ: {قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ} [7/ 144]، وَقَوْلِهِ: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [3/ 55]، وَقَوْلِهِ: {يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} [38/ 29].
أَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ فِي الْقُرْآنِ فِي خِطَابٍ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [3/ 144]، وَقَوْلِهِ: {وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} [47/ 2]، وَقَوْلِهِ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [48/ 29].
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ تَوْقِيرَهُ وَاحْتِرَامَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَضِّ الصَّوْتِ عِنْدَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى، أَيْ أَخْلَصَهَا لَهَا وَأَنَّ لَهُمْ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ الْمَغْفِرَةَ وَالْأَجْرَ الْعَظِيمَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [49/ 3].
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ أَيْ لَا تَرْفَعُوا عِنْدَهُ الصَّوْتَ كَرَفْعِ بَعْضِكُمْ صَوْتَهُ عِنْدَ بَعْضٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا نَصُّهُ: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُنْهُوا عَنِ الْجَهْرِ مُطْلَقًا، حَتَّى لَا يَسُوغَ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يُكَلِّمُوهُ بِالْهَمْسِ وَالْمُخَافَتَةِ، وَإِنَّمَا نُهُوا عَنْ جَهْرٍ مَخْصُوصٍ مُقَيَّدٍ بِصِفَةٍ، أَعْنِي الْجَهْرَ الْمَنْعُوتَ بِمُمَاثَلَةِ مَا قَدِ اعْتَادُوهُ مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهُوَ الْخُلُوُّ مِنْ مُرَاعَاةِ أُبَّهَةِ النُّبُوَّةِ، وَجَلَالَةِ مِقْدَارِهَا وَانْحِطَاطِ سَائِرِ الرُّتَبِ وَإِنْ جَلَّتْ عَنْ رُتْبَتِهَا. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ.
وَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُحْبَطُ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَقَدْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهُ لَا يَحْبَطُ عَمَلَهُ بِغَيْرِ شُعُورِهِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا نَصُّهُ: وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَيْ إِنَّمَا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَغْضَبَ مِنْ ذَلِكَ فَيَغْضَبَ اللَّهُ تَعَالَى لِغَضَبِهِ فَيَحْبَطَ عَمَلُ مَنْ أَغْضَبَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يُكْتَبُ لَهُ بِهَا الْجَنَّةُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ حُرْمَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَحُرْمَتِهِ فِي أَيَّامِ حَيَاتِهِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْيَوْمَ مِنِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ قُرْبَ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ فِي صَخَبٍ وَلَغَطٍ. وَأَصْوَاتُهُمْ مُرْتَفِعَةٌ ارْتِفَاعًا مُزْعِجًا كُلُّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَلِيقُ، وَإِقْرَارُهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمُنْكَرِ.
وَقَدْ شَدَّدَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّكِيرَ عَلَى رَجُلَيْنِ رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا فِي مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَأَوْجَعَتْكُمَا ضَرْبًا.
مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ احْتِرَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْعِرَ بِالْغَضِّ مِنْهُ، أَوْ تَنْقِيصَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاسْتِخْفَافَ بِهِ أَوِ الِاسْتِهْزَاءَ بِهِ- رِدَّةٌ عَنِ الْإِسْلَامِ وَكُفْرٌ بِاللَّهِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَخِرُوا مِنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ لَمَّا ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [9/ 65- 66].
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ مِنْ أَهَمِّ الْمَسَائِلِ، اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ، الَّتِي لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا لِغَيْرِهِ، وَبَيْنَ حُقُوقِ خَلْقِهِ كَحَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ، عَلَى ضَوْءِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ.
وَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ بِاللَّهِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ- الْتِجَاءَ عَبْدِهِ إِلَيْهِ إِذَا دَهَمَتْهُ الْكُرُوبُ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى كَشْفِهَا إِلَّا اللَّهُ.
فَالْتِجَاءُ الْمُضْطَرِّ الَّذِي أَحَاطَتْ بِهِ الْكُرُوبُ وَدَهَمَتْهُ الدَّوَاهِي لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَصَرْفُ ذَلِكَ الْحَقِّ لِلَّهِ وَإِخْلَاصُهُ لَهُ هُوَ عَيْنُ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَرْضَاتِهِ، وَهُوَ عَيْنُ التَّوْقِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ هُوَ اتِّبَاعُهُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي إِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ- جَلَّ وَعَلَا.
وَقَدْ بَيَّنَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّ الْتِجَاءَ الْمُضْطَرِّ مِنْ عِبَادِهِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ فِي أَوْقَاتِ الشِّدَّةِ وَالْكَرْبِ مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ تَعَالَى.
مِنْ أَصْرَحِ ذَلِكَ الْآيَاتُ الَّتِي فِي سُورَةِ النَّمْلِ، أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} إِلَى قَوْلِهِ: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [27/ 59- 64].
فَإِنَّهُ- جَلَّ وَعَلَا- قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ الْعَظِيمَاتِ: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ} [27/ 59].
ثُمَّ بَيَّنَ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ، فَقَالَ: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [27/ 60].
فَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ الَّتِي هِيَ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَإِنْزَالُ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ وَإِنْبَاتُ الْحَدَائِقِ ذَاتِ الْبَهْجَةِ، الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى إِنْبَاتِ شَجَرِهَا إِلَّا اللَّهُ- مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ؛
وَلِذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَهَا: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِنْزَالِ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ وَإِنْبَاتِ الْحَدَائِقِ بِهِ، وَالْجَوَابُ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [27/ 61].
فَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ أَيْضًا، الَّتِي هِيَ جَعْلُ الْأَرْضِ قَرَارًا، وَجَعْلُ الْأَنْهَارِ خِلَالَهَا، وَجَعْلُ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي فِيهَا، وَجَعْلُ الْحَاجِزِ بَيْنَ الْبَحْرِينِ- مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ- جَلَّ وَعَلَا- وَلِذَا قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟ وَالْجَوَابُ: لَا.
فَالِاعْتِرَافُ لِلَّهِ- جَلَّ وَعَلَا- بِأَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِنْزَالَ الْمَاءِ وَإِنْبَاتَ النَّبَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَ فِي الْآيَاتِ مِنْ خَصَائِصِ رُبُوبِيَّتِهِ- جَلَّ وَعَلَا- هُوَ الْحَقُّ، وَهُوَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِ رَسُولِهِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْظِيمِ اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى وَهُوَ مَحَلُّ الشَّاهِدِ: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [27/ 62].
فَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ الَّتِي هِيَ إِجَابَةُ الْمُضْطَرِّ إِذَا دَعَا، وَكَشْفُ السُّوءِ وَجَعْلُ النَّاسِ خُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ- جَلَّ وَعَلَا- وَلِذَا قَالَ بَعْدَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ.
فَتَأَمَّلْ قَوْلَهَ تَعَالَى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} مَعَ قَوْلِهِ: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} تَعْلَمْ أَنَّ إِجَابَةَ الْمُضْطَرِّينَ إِذَا الْتَجَئُوا وَدَعَوْا وَكَشْفَ السُّوءِ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ، لَا فَرْقَ فِي كَوْنِهِ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَإِنْزَالِ الْمَاءِ وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ، وَنَصْبِ الْجِبَالِ وَإِجْرَاءِ الْأَنْهَارِ، لِأَنَّهُ- جَلَّ وَعَلَا- ذَكَرَ الْجَمِيعَ بِنَسَقٍ وَاحِدٍ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَأَتْبَعَ جَمِيعَهُ بِقَوْلِهِ: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ.
فَمَنْ صَرَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْإِنْكَارُ السَّمَاوِيُّ الَّذِي هُوَ فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ فَلَا فَرْقَ الْبَتَّةَ بَيْنَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ فِي كَوْنِهَا كُلِّهَا مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [27/ 63].
فَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ الَّتِي هِيَ هَدْيُ النَّاسِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَإِرْسَالُ الرِّيَاحِ بُشْرًا، أَيْ مُبَشِّرَاتٍ، بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ الَّتِي هِيَ الْمَطَرُ- مِنْ خَصَائِصِ رُبُوبِيَّتِهِ- جَلَّ وَعَلَا.
وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} ثُمَّ نَزَّهَ- جَلَّ وَعَلَا- نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرَ فَقَالَ- جَلَّ وَعَلَا: {تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [27/ 64].
فَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ الَّتِي هِيَ بَدْءُ خَلْقِ النَّاسِ وَإِعَادَتُهُ يَوْمَ الْبَعْثِ، وَرِزْقُهُ لِلنَّاسِ مِنَ السَّمَاءِ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، وَمِنَ الْأَرْضِ بِإِنْبَاتِ النَّبَاتِ- مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ- جَلَّ وَعَلَا- وَلِذَا قَالَ بَعْدَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ.
ثُمَّ عَجَّزَ- جَلَّ وَعَلَا- كُلَّ مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَالَ آمِرًا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُخَاطِبَهُمْ بِصِيغَةِ التَّعْجِيزِ: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
وَقَدِ اتَّضَحَ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّ إِجَابَةَ الْمُضْطَرِّينَ الدَّاعِينَ، وَكَشْفَ السُّوءِ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ، مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ كَخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِنْزَالِ الْمَاءِ، وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ، وَالْحَجْزِ بَيْنَ الْبَحْرِينِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ.
وَكَوْنُ إِجَابَةِ الْمُضْطَرِّينَ وَكَشْفُ السُّوءِ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا أَوْضَحَهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ- جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [10/ 107].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [6/ 17].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ} [35/ 2].
فِعْلَيْنَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ نَتَأَمَّلَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ وَنَعْتَقِدَ مَا تَضَمَّنَتْهُ وَنَعْمَلَ بِهِ لِنَكُونَ بِذَلِكَ مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَظِّمِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ؛ لِأَنَّ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ تَعْظِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ اتِّبَاعُهُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ- جَلَّ وَعَلَا- وَحْدَهُ.
فَإِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لَهُ- جَلَّ وَعَلَا- وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأْمُرُ بِهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [98/ 5]، وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} إِلَى قَوْلِهِ: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} [39/ 11- 15].
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينًا أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ إِجَابَةِ الْمُضْطَرِّ وَكَشْفَ السُّوءِ عَنِ الْمَكْرُوبِ، مِنْ خَصَائِصَ الرُّبُوبِيَّةِ وَكَانُوا إِذَا دَهَمَتْهُمُ الْكُرُوبُ، كَإِحَاطَةِ الْأَمْوَاجِ بِهِمْ فِي الْبَحْرِ فِي وَقْتِ الْعَوَاصِفِ يُخْلِصُونَ الدُّعَاءَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ كَشْفَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ، فَإِذَا أَنْجَاهُمْ مِنَ الْكَرْبِ رَجَعُوا إِلَى الْإِشْرَاكِ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ- جَلَّ وَعَلَا- هَذَا فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [10/ 22- 23].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} الْآيَةَ [6/ 63- 65].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [6/ 40].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} [17/ 67- 69].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [29/ 65].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} [31/ 32].
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [17/ 67]، أَنَّ سَبَبَ إِسْلَامِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ذَهَبَ فَارًّا مِنْهُ إِلَى بِلَادِ الْحَبَشَةِ فَرَكِبَ فِي الْبَحْرِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْحَبَشَةِ فَجَاءَتْهُمْ رِيحٌ عَاصِفٌ، فَقَالَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْكُمْ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ وَحْدَهُ. فَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي نَفْسِهِ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ لَا يَنْفَعُ فِي الْبَحْرِ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ. اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ لَئِنْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهُ لَأَذْهَبَنَّ فَلَأَضَعَنَّ يَدِي فِي يَدِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأَجِدَنَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا، فَخَرَجُوا مِنَ الْبَحْرِ فَخَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهَى.
وَقَدْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَسَمِّينَ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الْمَذْكُورِينَ؛ لِأَنَّهُمْ فِي وَقْتِ الشَّدَائِدِ يَلْجَئُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ طَالِبِينَ مِنْهُ مَا يَطْلُبُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ اللَّهِ، وَبِمَا ذُكِرَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا انْتَشَرَ فِي أَقْطَارِ الدُّنْيَا مِنَ الِالْتِجَاءِ فِي أَوْقَاتِ الْكُرُوبِ وَالشَّدَائِدِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ- جَلَّ وَعَلَا- كَمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قُرْبَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَ قُبُورِ مَنْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِمُ الصَّلَاحَ زَاعِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ دِينِ اللَّهِ وَمَحَبَّةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْظِيمِهِ وَمَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ، كُلُّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ انْتِهَاكٌ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ وَحُرُمَاتِ رَسُولِهِ.
لِأَنَّ صَرْفَ الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ بِالْخَالِقِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُعْتَقَدُ فِيهِمُ الصَّلَاحُ- مُسْتَوْجِبٌ سَخَطَ اللَّهِ وَسَخَطَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَخَطَ كُلِّ مُتَّبِعٍ لَهُ بِالْحَقِّ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي شَرِيعَةِ كُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَاللَّهُ- جَلَّ وَعَلَا- يَقُولُ: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [3/ 79- 80].
بَلِ الَّذِي كَانَ يَأْمُرُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ مَا يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِالْأَمْرِ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [3/ 64].
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ إِذَا رَأَى رَجُلًا مُتَدَيِّنًا فِي زَعْمِهِ مُدَّعِيًا حُبَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْظِيمَهُ وَهُوَ يُعَظِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَمْدَحُهُ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ الْمَاءَ مِنَ السَّمَاءِ وَأَنْبَتَ بِهِ الْحَدَائِقَ ذَاتَ الْبَهْجَةِ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا إِلَى آخِرِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَاقِلَ لَا يَشُكُّ فِي أَنَّ ذَلِكَ الْمَادِحَ الْمُعَظِّمَ فِي زَعْمِهِ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُتَعَدِّينَ لِحُدُودِ اللَّهِ.
وَقَدْ عَلِمْتَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ إِجَابَةِ الْمُضْطَرِّينَ وَكَشْفِ السُّوءِ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ.
فِعْلَيْنَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ نَنْتَبِهَ مِنْ نَوْمَةِ الْجَهْلِ وَأَنْ نُعَظِّمَ رَبَّنَا بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَتَعْظِيمِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي تَعْظِيمِ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ.
وَأَلَّا نُخَالِفَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَعْصِيَهُ، وَأَلَّا نَفْعَلَ شَيْئًا يُشْعِرُ بِعَدَمِ التَّعْظِيمِ وَالِاحْتِرَامِ، كَرَفْعِ الْأَصْوَاتِ قُرْبَ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصْدُنَا النَّصِيحَةُ وَالشَّفَقَةُ لِإِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ لِيَعْمَلُوا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيُعَظِّمُوا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْظِيمَ الْمُوَافِقِ لِمَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتْرُكُوا مَا يُسَمِّيهِ الْجَهَلَةُ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ احْتِقَارٌ وَازْدِرَاءٌ وَانْتِهَاكٌ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ، وَرَسُولِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [4/ 123- 124].
وَاعْلَمْ أَيْضًا رَحِمَكَ اللَّهُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إِجَابَةِ الْمُضْطَرِّ وَكَشْفِ السُّوءِ عَنِ الْمَكْرُوبِ، وَبَيْنَ تَحْصِيلِ الْمَطَالِبِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ، كَالْحُصُولِ عَلَى الْأَوْلَادِ وَالْأَمْوَالِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ.
فَإِنَّ الْتِجَاءَ الْعَبْدِ إِلَى رَبِّهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ- جَلَّ وَعَلَا- كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [10/ 31] وَقَالَ تَعَالَى: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} [29/ 17] وَقَالَ تَعَالَى: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} [42/ 49] وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [16/ 72] وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [4/ 32] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ».
وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ- جَلَّ وَعَلَا- عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِالْتِجَائِهِمْ إِلَيْهِ وَقْتَ الْكَرْبِ يَوْمَ بَدْرٍ فِي قَوْلِهِ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [8/ 9]، فَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا أَصَابَهُمْ أَمْرٌ أَوْ كَرْبٌ الْتَجَئُوا إِلَى اللَّهِ وَأَخْلَصُوا لَهُ الدُّعَاءَ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَّبِعَ وَلَا نَبْتَدِعَ.
تَنْبِيهٌ:
اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِي مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَهِيَ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْقُرُبَاتِ فَيُخْلِصَ تَقَرُّبَهُ بِذَلِكَ إِلَى اللَّهِ وَلَا يَصْرِفُ شَيْئًا مِنْهُ لِغَيْرِ اللَّهِ كَائِنًا مَا كَانَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ هَيْئَاتِ الْعِبَادَةِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسَلِّمِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى كَهَيْئَةِ الْمُصَلِّي، لِأَنَّ هَيْئَةَ الصَّلَاةِ دَاخِلَةٌ فِي جُمْلَتِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ، كَمَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يُخْلِصُونَ الْعِبَادَاتِ وَهَيْئَاتِهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ.